القرطبي
344
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقرأ أهل الحرمين ( غير ) بالنصب على الاستثناء من القاعدين أو من المؤمنين ، أي إلا أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين . وإن شئت على الحال من القاعدين ، أي لا يستوي القاعدون من الأصحاء أي في حال صحتهم ، وجازت الحال منهم ، لان لفظهم لفظ المعرفة ، وهو كما تقول : جاءني زيد غير مريض . وما ذكرناه من سبب النزول يدل على معنى النصب ، والله أعلم . الخامسة - قوله تعالى : ( فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ) وقد قال بعد هذا : ( درجات منه ومغفرة ورحمة ) فقال قوم : التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد . وقيل : فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجة واحدة ، وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات ، قاله ابن جريج والسدي وغيرهما . وقيل : إن معنى درجة علو ، أي أعلى ذكرهم ورفعهم بالثناء والمدح والتقريظ . فهذا معنى درجة ، ودرجات يعني في الجنة . قال ابن محيريز : سبعين درجة بين كل درجتين حضر الفرس الجواد سبعين سنة . و ( درجات ) بدل من أجر وتفسير له ، ويجوز نصبه أيضا على تقدير الظرف ، أي فضلهم بدرجات ، ويجوز أن يكون توكيدا لقوله ( أجرا عظيما ) لان الاجر العظيم هو الدرجات والمغفرة والرحمة ، ويجوز الرفع ، أي ذلك درجات . و ( أجرا ) نصب ب ( فضل ) وإن شئت كان مصدرا وهو أحسن ، ولا ينتصب ب ( فضل ) لأنه قد استوفى مفعوليه وهما قوله ( المجاهدين ) و ( على القاعدين ) ، وكذا ( درجة ) . فالدرجات منازل بعضها أعلى من بعض . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ) . ( وكلا وعد الله الحسنى ) ( كلا ) منصوب ب ( وعد ) و ( الحسنى ) الجنة ، أي وعد الله كلا الحسنى . ثم قيل : المراد ( بكل ) المجاهدون خاصة . وقيل : المجاهدون وأو لو الضرر . والله أعلم .
--> ( 1 ) الحضر ( كقفل ) : ارتفاع الفرس في عدوه .